السيد عباس علي الموسوي

331

شرح نهج البلاغة

وقال تعالى : إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ . . ( ولا مستنكف عن عبادته ) لا يتكبر المخلوق عن عبادة الخالق وكيف واللّه سبحانه هو الكمال المطلق المستحق للعبادة دون غيره فلا يتكبر عن عبادته وقد أذعن لهذه الحقيقة الأنبياء والملائكة والصالحون وكل ذي عقل فطن لبيب . . . قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عبِادتَهِِ وَيسُبَحِّوُنهَُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ . ( الذي لا تبرح منه رحمة ولا تفقد له نعمة ) فاللهّ كله رحمة ورحماته تتوزع على خلقه وتنال الجميع لا تنفذ تلك الرحمات ولا تنتهي بل هو الغني بها وما في الخلق إلا رشحات منها أفاضها عليهم وهي أيضا من رحماته وأما نعمه فلا تفقد في موقع ولا تنعدم في محل بل هي حتى فيما يظن أنها نقمة فلربما كانت هي نعمة كما هو المشاهد في ابتلاء الأنبياء والصالحين وما يمر على الأولياء والمخلصين . . . ( والدنيا دار مني لها الفناء ولأهلها منها الجلاء ) وهذه دخول في الموعظة وتذكير لنا بحال الدنيا وصفاتها وإنها الدار التي قدر اللّه لها الفناء فلن تدوم ولن تستمر بل وجودها إلى زوال وبقاؤها إلى فناء . . فالأحياء يموتون وعنها يرحلون ولا يبقون والأشياء ينسفها ربي نسفا فيجعلها قاعا صفصفا . . . وإذا كانت إلى فناء وأهلها إلى جلاء عنها فكيف يتعامل معها الإنسان وكيف يحوّل وجوده فيها إن على هذا الإنسان أن ينظر إلى ما وراءها من الحياة الباقية التي لا تفنى . . . ( وهي حلوة خضراء وقد عجلّت للطالب والتبست بقلب الناظر ) بيّن أسباب التهالك عليها والركون إليها والاطمئنان بحالها إنها حلوة المنظر تسّر من رآها وتدفعه لطلبها ، إنه يرى الحكم والسلطة فيغره ذلك ويسعى للسيطرة والحكم ناسيا أن ملوكا تعاقبوا عليها ولم يبقوا . . . وإنه يرى المال فيعجبه اقتناؤه فيسعى من أجله من الحلال والحرام وينسى أن قارون جامع المال قد مات وهكذا مات من أتى بعده . . . يرى الطيبات فيسعى إليها ناسيا من أكلوها واستلذوا بها فإن ديدان الأرض وحشراتها قد أكلتهم وهكذا . . . إنها قد توفرت عند من يطلبها ويرغب فيها ويريدها قال تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ